أهم الأخبارمقالات

الدكتورة جيهان رجب تكتب: حين سبق التسويق الصناعة.. هل نجحنا في البيع أكثر من الإنتاج؟!!

الجمعة 22 مايو، 2026 | 6:39 م

لم يعد النجاح اليوم مرتبطا فقط بمن يصنع المنتج الأفضل، بل بمن يستطيع إقناع الناس به أكثر. ففي عالم تتحرك فيه الإعلانات بسرعة الضوء، وتتغير فيه الترندات كل ساعة، يبدو أحيانا أن رجال التسويق يركضون للأمام، بينما تحاول الصناعة والإنتاج اللحاق بهم من بعيد.

لقد نجح التسويق نجاحا هائلا في فهم المستهلك، وصناعة الرغبة، والتأثير في القرارات الشرائية.

أصبح يعرف ماذا نحب، ومتى نشتري، وكيف يجعلنا نشعر أن ما نراه ضرورة حتى لو لم يكن كذلك.

وتطورت أدواته بشكل مذهل، من الإعلانات التقليدية إلى التسويق الرقمي، وتحليل البيانات، وصناعة المحتوى، والتأثير عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وفي المقابل، يبدو أن كثيرا من القطاعات الإنتاجية والصناعية لم تتطور بالسرعة نفسها.

فبينما أصبح العالم بارعا في التسويق، ما زالت بعض الصناعات المحلية تتحرك ببطء أمام منافسة عالمية شرسة، وتكنولوجيا تتغير باستمرار، وأسواق لا تنتظر المتأخرين.

المشكلة هنا ليست أن التسويق نجح، بل أن نجاحه أصبح أحيانا أكبر من نجاح الإنتاج نفسه.

فأصبحنا نرى منتجات تباع بقوة “الصورة الذهنية” أكثر من قوة الجودة، وعلامات تجارية تحقق انتشارا هائلا بينما لا تملك دائما تفوقا صناعيا حقيقيا بالقدر نفسه.

ومع الوقت، لم يتغير السوق فقط، بل تغيرت ثقافة المجتمع أيضا. أصبح الاستهلاك أكثر بريقا من الإنتاج، وأصبحت الماركات والترندات جزءا من الهوية الاجتماعية لدى كثير من الناس. بل إن بعض الشباب أصبح يحلم بأن يكون “مؤثرا” يروج للمنتجات، أكثر من حلمه بأن يكون صاحب مصنع، أو مطور تكنولوجيا، أو رائد مشروع إنتاجي حقيقي.
وأصبحنا نعرف أحدث الهواتف والمطاعم والكافيهات أسرع مما نعرف أحدث المشروعات الصناعية أو الابتكارات المحلية. نقف طوابير أمام افتتاح متجر جديد، لكن قليلا من يتابع كم مصنعا أنشئ، أو كم منتجا محليا استطاع المنافسة فعلا في السوق.

وهنا يظهر السؤال الأهم:
هل نجحنا في تنشيط حركة الشراء أكثر من نجاحنا في تنشيط حركة الإنتاج؟
وهل أصبحت قدرتنا على التسويق أسرع من قدرتنا على التصنيع والتطوير؟

فالدول القوية لا تقاس فقط بحجم الاستهلاك، بل بحجم ما تنتجه، وما تصدره، وما تملكه من صناعة وتكنولوجيا ومعرفة. والتسويق القوي يظل قيمة عظيمة… عندما يقف خلف منتج قوي وصناعة قادرة على الاستمرار والمنافسة.

نحن لا نحتاج إلى تقليل قوة التسويق، بل نحتاج إلى أن تتحرك الصناعة والإنتاج والبحث العلمي بالسرعة نفسها. نحتاج إلى اقتصاد لا ينجح فقط في جذب المستهلك… بل ينجح أيضا في بناء منتج حقيقي يستطيع المنافسة عالميا.

وفي النهاية تبقى الأسئلة مفتوحة:
هل أصبح رجال التسويق أكثر نجاحا من رجال الصناعة؟
وهل أصبحنا بارعين في إقناع الناس بالشراء أكثر من براعتنا في التصنيع والابتكار؟
وهل يمكن أن يستمر أي اقتصاد قويا إذا سبق التسويق الإنتاج بمسافات طويلة؟
ومتى يصبح المنتج المحلي ليس مجرد بديل… بل اختيارا أول يفخر به المستهلك؟

ا.د جيهان رجب
أستاذ التسويق بجامعة عين شمس

الدكتورة جيهان رجب تكتب: حين سبق التسويق الصناعة.. هل نجحنا في البيع أكثر من الإنتاج؟!!
الدكتورة جيهان رجب تكتب: حين سبق التسويق الصناعة.. هل نجحنا في البيع أكثر من الإنتاج؟!!
الدكتورة جيهان رجب تكتب: حين سبق التسويق الصناعة.. هل نجحنا في البيع أكثر من الإنتاج؟!!
الدكتورة جيهان رجب تكتب: حين سبق التسويق الصناعة.. هل نجحنا في البيع أكثر من الإنتاج؟!!