أهم الأخبارمقالات

الدكتورة جيهان رجب تكتب: من يرفع الوعي.. ومن يغير السلوك؟ فجوة غائبة في طريق المواطن المصري

الأربعاء 22 أبريل، 2026 | 12:18 ص

في كل مرة تطرح فيها قضية تمس وعي المواطن -سواء كانت صحية، تعليمية، بيئية أو حتى رقمية- يتصدر الإعلام المشهد باعتباره الأداة الأولى للتأثير. تبث الرسائل، تعقد الندوات، وتنشر الحملات، ويفترض أن المواطن أصبح “على دراية”. لكن الواقع يطرح سؤالًا أكثر عمقا: لماذا لا يتحول هذا الوعي إلى سلوك فعلي؟ لماذا يعرف المواطن.. لكنه لا يغير؟.

الإجابة تكمن في فجوة غالبا ما يتم تجاهلها: الخلط بين دور الإعلام ودور التسويق. فالإعلام، في جوهره، هو أداة إخبار وتوعية. يضع القضية أمام الجمهور، يسلط الضوء عليها، ويمنحها إطارا من النقاش المجتمعي. دوره ضروري ولا يمكن الاستغناء عنه، لأنه يصنع الإدراك الأولي ويكسر حاجز الجهل بالمعلومة. لكنه يقف عند هذه النقطة؛ لا يغوص في تفاصيل سلوك الفرد، ولا يسأل لماذا لم يتفاعل، ولا يعالج دوافع الرفض أو التردد.

على الجانب الآخر، يأتي التسويق بوظيفة مختلفة تمامًا، وأكثر عمقا وتأثيرا. التسويق لا يسأل فقط: “كيف نخبر المواطن؟” بل يسأل: “كيف نجعله يفعل؟”. يبدأ من فهم الإنسان نفسه: مخاوفه، عاداته، بيئته، قدراته، وحتى مقاومته للتغيير. ثم يبني على هذا الفهم رسائل وتجارب مصممة خصيصا لتحويل المعرفة إلى ممارسة، والنية إلى قرار، والقرار إلى سلوك مستدام.

من هنا، تصبح أي حملة توعوية -مهما بلغت قوتها الإعلامية- ناقصة إذا غاب عنها البعد التسويقي. لأن رفع الوعي لا يعني بالضرورة تحقيق الأثر. قد يسمع المواطن الرسالة، بل ويقتنع بها نظريا، لكنه لا يغير سلوكه لعدم وجود ما يدفعه عمليا: ربما لا يشعر أن القضية تمسه شخصيا، أو لا يفهم كيف يبدأ، أو يخشى الفشل، أو ببساطة لم تقدم له التجربة بطريقة تناسب واقعه.

إن بناء وعي حقيقي للمواطن المصري لا يتحقق فقط بتكثيف الرسائل الإعلامية، بل بتصميم استراتيجيات متكاملة تضع خبير التسويق في قلب عملية التخطيط، لا على هامشها. خبير قادر على ترجمة القضايا العامة إلى تجارب يومية بسيطة، وعلى تحويل الرسائل الكبرى إلى خطوات قابلة للتطبيق، وعلى مخاطبة كل فئة بما يناسبها لا بما يقال للجميع.

إن المرحلة القادمة تتطلب إعادة تعريف الأدوار داخل أي خطة تستهدف المواطن.. الإعلام ينير الطريق.. لكن التسويق هو من يقود الناس للسير فيه.

مناشدة من أجل أثر حقيقي إذا كنا جادين في بناء وعي مجتمعي حقيقي، فلا يكفي أن نعلم المواطن.. بل يجب أن نمكنه ونقوده نحو الفعل. وهذا لن يتحقق إلا بتكامل صريح ومقصود بين الإعلام والتسويق داخل كل استراتيجية وطنية.

إنها ليست دعوة نظرية، بل ضرورة عملية: أشركوا خبراء التسويق في صياغة الرسائل، وفي تصميم المبادرات، وفي متابعة أثرها على سلوك المواطن. لأن المواطن المصري لا يحتاج فقط إلى من يتحدث إليه.. بل إلى من يفهمه، ويقنعه، ويعينه على التغيير.

الأستاذة الدكتورة جيهان رجب
أستاذ التسويق جامعة عين شمس