«الأمومة في أعماق البحار».. تقرير للمعهد القومي لعلوم البحار بمناسبة الإحتفال بعيد الأم

أعدت الدكتورة حنان عثمان، رئيس معمل بيولوجيا المصايد – شعبة المصايد بالمعهد القومي لعلوم البحار والمصايد، تقرير بعنوان “الأمومة في أعماق البحار”، وذلك بمناسبة الإحتفال بعيد الأم الموافق 21 مارس من كل عام.
وتضمن التقرير، المنشور علي الصفحة الرسمية للمعهد القومي لعلوم البحار والمصايد في الفيسبوك: تعد الأمومة من أسمى الظواهر الفطرية التي أودعها الله في الكائنات الحية، فهي تجسيد لمعاني العطاء والرعاية والمسؤولية. ومع إحتفالنا بـ عيد الأم في الحادي والعشرين من مارس، لا يقتصر تقديرنا لهذه القيمة النبيلة على الإنسان فحسب، بل يمتد ليشمل عوالم الطبيعة المختلفة، حيث تتجلى مظاهر الأمومة والرعاية في صورة مدهشة لدى العديد من الكائنات، ومنها الكائنات البحرية.
وتزخر البحار والمحيطات بتنوع بيولوجي هائل، يضم طيفاً واسعاً من الأسماك والكائنات البحرية التي تختلف في أشكالها وخصائصها الوراثية وسلوكياتها الحياتية. وعند التطرق إلى عمليات التكاثر في هذه الكائنات، نجد منظومة دقيقة من الأساليب والسلوكيات الفطرية التي تهدف إلى ضمان بقاء الأنواع واستمرارها، حيث تتجسد مفاهيم الرعاية الأبوية في صور متعددة، تشمل حماية البيض واليرقات، وتهيئة البيئات المناسبة للتكاثر، بل والمشاركة الفعالة من الذكور في بعض الأنواع.
أولاً: التكاثر في الأسماك والكائنات البحرية
يعد التكاثر عملية حيوية أساسية تضمن إستمرارية الكائنات الحية وحمايتها من خطر الإنقراض، وتتنوع أنماطه في البيئة البحرية على النحو التالي:
1- التكاثر الجنسي:
وهو النمط الأكثر شيوعاً، ويعتمد على إتحاد الخلايا التناسلية الذكرية والأنثوية لتكوين أفراد جديدة، وينقسم إلى:
– الإخصاب الخارجي:
تقوم الأنثى بطرح البيض في المياه، ثم يقوم الذكر بإفراز الحيوانات المنوية في الوسط المائي لإتمام عملية الإخصاب. ويعد هذا النمط شائعاً في معظم الأسماك، مثل الشعور والهامور. وتمتاز هذه الطريقة بإنتاج أعداد كبيرة من البيض، مما يزيد من فرص بقاء بعض الأفراد رغم التحديات البيئية كالتلوث أو الإفتراس.
– الإخصاب الداخلي:
يتم هذا النمط من خلال انتقال الخلايا التناسلية الذكرية إلى داخل جسم الأنثى، حيث تتم عملية الإخصاب في بيئة أكثر حماية. وتتنوع صور هذا النمط في الكائنات البحرية، خاصة في بعض أنواع القروش، حيث قد تنمو الأجنة داخل جسم الأنثى لفترات متفاوتة قبل الولادة. وفي بعض الحالات، تتغذى الأجنة على مصادر غذائية داخلية كالمشيمة (placenta) في الثدييات حتي إكتمال النمو، وعند الولادة تكون الصغار قادرة على السباحة ولا تحتاج إلي رعاية. كما توجد أنواع أخرى تضع البيض داخل كبسولات واقية تعرف بـ”أكياس البيض”، توفر حماية للأجنة حتى الفقس. ويمتاز هذا النمط بإرتفاع فرص بقاء الأجنة، رغم أن أعدادها تكون أقل مقارنة بالإخصاب الخارجي.
2- التكاثر اللاجنسي:
وهو نمط يعتمد على قدرة الكائن الحي على إنتاج أفراد جديدة دون الحاجة إلى تزاوج، ومن أمثلته:
التبرعم كما في شقائق النعمان.
التجزؤ أو الانقسام (fragmentation) كما في بعض أنواع المرجان.
ثانياً: صور من الرعاية في الكائنات البحرية:
تظهر العديد من الكائنات البحرية سلوكيات متقدمة في رعاية صغارها، تعكس مستوى مدهشاً من التنظيم البيولوجي، ومن أبرز هذه السلوكيات:
حمل البيض بالفم:
حيث هناك أنواع من الأسماك تقوم الأثني او الذكر بحمل البيض في الفم لحمايته حتى الفقس وتكون اليرقات قادرة على السباحة مثل البلطي وأسماك (Cichlids)، بالإضافة لبعض القشريات واللافقاريات التي تحمل البيض لحمايته من الإفتراس، وكذلك نجد ذكر حصان البحر الذى يحمل البيض في كيس عند تجويف البطن حتى ميعاد الفقس.
حراسة البيض:
يقوم أحد الأبوين، وغالباً الذكر، بحراسة البيض والدفاع عنه ضد المفترسات، كما في بعض أنواع Catfish.
رعاية اليرقات بعد الفقس:
تستمر بعض الأنواع في حماية اليرقات بعد الفقس، حيث تحرس اليرقات أو تحملها لحمايتها من الإفتراس مثل أسماك البلطي.
بناء أعشاش البيض:
تلجأ بعض الكائنات مثل السلاحف البحرية إلى إعداد بيئات مناسبة لوضع البيض، حيث تقوم الأثني والذكر بالخروج للشاطئ الرملي وتقوم بحفر أعشاشها وتضع البيض، ثم تعود للمياه وبعد فترة التحضين تخرج الصغار و تعود للمياه.
التهوية على البيض:
تقوم بعض الكائنات، مثل الأخطبوط، بتهوية البيض لضمان وصول الأكسجين بنسبة جيدة ومناسبة لعملية فقس البيض.
الهجرة لأغراض التكاثر:
تهاجر بعض الأسماك لمسافات طويلة في رحلات شاقة للوصول إلى مناطق ملائمة لوضع البيض ( (Spawning groundsمثل أسماك الهامور في البحر الأحمر التي تلجأ لمناطق المانجروف والشعاب المرجانية لوضع البيض، وهناك أيضاً أسماك الشعور التي تهاجر من جنوب البحر الأحمر إلي الشمال حيث البيئة المناسبة لوضع البيض فى الشعاب المرجانية. بالإضافة إلي وجود بعض الأنواع التي تهاجر لمناطق رعاية اليرقات (nursery ground) كما هو الحال في أسماك الدنيس والقاروص.
نماذج متقدمة من الرعاية:
في بعض الكائنات البحرية مثل الحيتان والدلافين، تمتد الرعاية إلى تعليم الصغار مهارات السباحة والبقاء، في صورة قريبة من سلوكيات الثدييات البرية.
– خاتمة:
إن تأمل هذه السلوكيات المتنوعة في عالم البحار يكشف عن نظام دقيق ومتوازن يضمن إستمرارية الحياة، فهذه الممارسات رغم بساطتها الظاهرية، تمثل أساس بقاء الأنواع وتوازن النظم البيئية البحرية. كما تعكس مفهوماً عميقاً للرعاية الأبوية، التي لا تقتصر على كائن دون آخر، بل تمتد لتشمل مختلف أشكال الحياة.
وفي هذه المناسبة، نستلهم من الطبيعة دروساً في العطاء والرعاية، لنجدد تقديرنا لكل أم، سواء على اليابسة أو في أعماق البحار، تقديراً لدورها المحوري في إستمرار الحياة.




