الدكتورة جيهان رجب تكتب: من موقع المسئول إلى مقعد السائل.. ارتباك الأدوار داخل البرلمان
في النظم السياسية المستقرة، لا يتم النظر إلى المواقع العامة بوصفها مجرد مناصب تتغير، بل باعتبارها أدوارا متكاملة داخل منظومة واحدة، لكل دور توقيته ووظيفته وحدوده. ومن هنا يبرز تساؤل مشروع عندما نرى مسئولا تنفيذيا سابقا، كان حتى وقت قريب جزءا من صناعة القرار، يجلس اليوم تحت قبة البرلمان في موقع السائل والمستجوب.
المسألة هنا ليست قانونية، فالدستور واضح ويجيز التعيين، وليست شخصية، فالكفاءة والخبرة لا خلاف عليهما. لكنها مسألة تتعلق بطبيعة الدور السياسي نفسه، وبكيفية أداء وظيفة الرقابة البرلمانية في دولة تسعى إلى الفصل الواضح بين السلطات لا تدويرها.
الوزير السابق لم يكن مراقبا من الخارج، بل كان فاعلا من الداخل. شارك في صياغة السياسات، أو تنفيذها، أو الدفاع عنها، أو تمريرها، أو على الأقل العمل في إطارها. وعندما ينتقل مباشرة إلى موقع مساءلة نفس السياسات أو نتائجها، يحدث خلط واضح بين موقع الشريك السابق وموقع المراقب الحالي.
الخبرة التنفيذية قيمة مضافة حقيقية داخل البرلمان اذا استخدمت في تطوير التشريعات، أو اقتراح حلول واقعية، أو شرح تعقيدات الإدارة العامة. لكنها تفقد معناها السياسي عندما تتحول الى أدوات مساءلة منفصلة عن السياق الذي كان صاحبها جزءا منه.
البرلمان لا يكتسب قوته من عدد الأسئلة ولا من حدتها، بل من وضوح موقعه داخل معادلة الحكم. وعندما تختلط الأدوار، يصبح السؤال مجرد اداء شكلي، لا يعكس رقابة كاملة ولا يعبر عن مساءلة حقيقية، بل يفتح بابا للارتباك في فهم وظيفة المجلس ذاته.
القضية إذا ليست في الشخص، بل في النموذج. نموذج ينتقل فيه الفاعل من موقع المسئولية التنفيذية إلى موقع المساءلة التشريعية دون مسافة زمنية أو سياسية كافية، ودون اعادة تعريف واضحة للدور الجديد.
وهنا يطرح المشهد نفسه عدة أسئلة لا يمكن تجاهلها: هل نريد برلمانا يراقب السلطة التنفيذية أم يعيد تدويرها؟ وهل الخبرة تعني مساءلة الآخرين فقط أم فهم الصورة كاملة؟ وأين تقف حدود الدور عندما تتغير المواقع بينما تبقى السياسات واحدة؟
أسئلة مفتوحة، لكنها ضرورية، لأن وضوح الأدوار هو البداية الحقيقية لأي حياة سياسية مستقرة.



