الدكتورة جيهان رجب تكتب: الشباب في البرلمان.. بين فرصة التمثيل وإشكالية التزكية
مشهد برلماني جديد
يشهد البرلمان المصري في دورته الحالية ظاهرة ملفتة: تواجد عدد لا بأس به من الشباب في مقاعد التشريع. هذا الحضور الشبابي أثار تساؤلات عميقة حول طبيعة التمثيل السياسي وشروط المشاركة الفاعلة.
لقاء عمرو أديب مع النائبة الشابة نيفين اسكندر والصحفي مجدي الجلاد، كشف طبقات متعددة من هذه القضية، ووضعنا أمام مرآة عاكسة لواقع السياسة المعاصرة في مصر.
إشكالية التزكية: الباب الموصود
أشار مجدي الجلاد في اللقاء إلى نقطة محورية: دخول الشباب إلى البرلمان عبر قوائم التزكية يحمل تناقضا جوهريا. من ناحية، يفتح الباب أمام وجوه جديدة ويمنح فرصة للمشاركة. من ناحية أخرى، يلغي عنصر المنافسة الذي يعد ركيزة أساسية لأي عملية ديمقراطية حقيقية.
غياب المنافسة يعني غياب الحوار الفكري الحقيقي، وغياب التنوع في الرؤى، وربما غياب الاختبار الحقيقي لقدرة المرشح على تمثيل فئات مجتمعية مختلفة. التزكية تمنح المقعد ولكنها قد تسلب الشرعية التي يحتاجها النائب ليكون صوتا مؤثرا.
المهارات البرلمانية: ما لا تتعلمه في الجامعات
اللقاء أبرز تحديا آخر يواجه النواب الشباب: الفجوة بين الحماس السياسي والمهارات التشريعية العملية.
العمل البرلماني لا يحتاج فقط إلى رغبة في التغيير، بل يحتاج إلى مهارات محددة: صياغة القوانين، فهم الآليات الإجرائية، القدرة على التفاوض والتحالف، إدارة العلاقة مع الدوائر الانتخابية.
النائبة نيفين اسكندر قدمت صورة متزنة في اللقاء، لكن التساؤل يبقى: هل توجد برامج منهجية لتمكين النواب الشباب من هذه المهارات؟، هل هناك تدريب عملي على صياغة التشريعات؟، هل هناك توجيه مؤسسي يساعدهم على التحول من حماس الشباب إلى فاعلية المشرع؟.
التمثيل الحقيقي: أكثر من مجرد رقم
وجود شاب في البرلمان لا يعني بالضرورة تمثيلا حقيقيا للشباب. التمثيل الحقيقي يتطلب ثلاثة عناصر:
• أولا: شرعية انتخابية تقوم على اختيار حر وواع من الناخبين.
• ثانيا: رؤية واضحة وقدرة على تحويل هذه الرؤية إلى مشاريع قوانين واقتراحات عملية.
• ثالثا: استقلالية في اتخاذ القرار تمكن النائب من الدفاع عن مصالح من يمثلهم دون ضغوط.
اللقاء ترك انطباعا بأن النموذج الحالي قد يحقق العنصر الشكلي للتمثيل (وجود الشباب) لكنه قد يقصر في تحقيق العناصر الجوهرية (القدرة على التأثير والتغيير).
الحماس والواقع: معادلة تحتاج إلى توازن
لا يمكن إنكار الطاقة والحماس اللذين يجلبهما الشباب إلى الحياة البرلمانية. هذا الحماس هو رأس مال سياسي مهم، خاصة في مجتمع يشكو غالبا من الجمود والتقليدية. لكن التاريخ السياسي يعلمنا أن الحماس وحده لا يبني مؤسسات ولا يصنع قرارات رشيدة.
المعادلة الصعبة التي يجب تحقيقها
كيف نحافظ على طاقة الشباب وحيويتهم مع تزويدهم بالحكمة العملية والخبرة المؤسسية التي تمكنهم من تحويل أفكارهم إلى واقع ملموس.
تحديات النظام البرلماني المصري
البرلمان المصري، كغيره من المؤسسات، له ثقافته وآلياته الخاصة التي تطورت عبر سنوات. النائب الجديد، شابا كان أو غير شاب، يواجه نظاما معقدا من التقاليد والعلاقات والآليات التي تحتاج وقتا لفهمها والتعامل معها.
هذا الواقع يطرح سؤالا مهما: هل النظام البرلماني الحالي مستعد لاستيعاب دماء جديدة؟، هل هناك مرونة كافية للسماح بأفكار مختلفة وآليات عمل مبتكرة؟، أم أن على النواب الجدد التكيف مع النظام كما هو، مما قد يحد من قدرتهم على الإبداع والتغيير؟.
دور الأحزاب والمؤسسات السياسية
اللقاء تناول بشكل غير مباشر دور الأحزاب السياسية في عملية التمثيل الشبابي. في كثير من الحالات، تكون الأحزاب هي البوابة التي يدخل منها الشباب إلى البرلمان. هذا يخلق علاقة معقدة بين الولاء للحزب والولاء للناخبين.
النائب الشاب يواجه تحديا مزدوجا: من ناحية، يحتاج إلى دعم حزبي لتحقيق أهدافه. من ناحية أخرى، يحتاج إلى الحفاظ على مساحة من الاستقلالية تمكنه من تمثيل جميع فئات دائرته الانتخابية.
آليات الدعم المفقودة
ما أظهره اللقاء بوضوح هو غياب آليات الدعم المنهجية للنواب الشباب. البرلمان الناجح لا يعتمد فقط على أفراد متميزين، بل على نظام متكامل من التدريب والتأهيل والدعم.
هناك حاجة ماسة لبرامج تأهيل برلماني تشمل:
• تدريبا على صياغة التشريعات
• إرشادا في آليات العمل البرلماني
• تطوير مهارات الحوار والتفاوض
• فهم العلاقة بين السلطات التشريعية والتنفيذية
بدون هذه الآليات، يواجه النواب الشباب خطر التحول إلى ديكور برلماني، يملك الصوت ولكن لا يملك التأثير.
مستقبل التمثيل الشبابي: سيناريوهات محتملة
أمام ظاهرة التمثيل الشبابي في البرلمان عدة سيناريوهات محتملة:
• السيناريو الأول: يتحول الشباب إلى قوة تجديد حقيقية، يجلبون أفكارا جديدة وطرق عمل مبتكرة، ويساهمون في تطوير الحياة البرلمانية.
• السيناريو الثاني: يتم استيعاب الشباب في الآليات التقليدية، فيفقدون تميزهم ويتحولون إلى نسخ جديدة من النماذج التقليدية.
• السيناريو الثالث: يواجه الشباب إحباطا بسبب محدودية تأثيرهم، فينعزلون أو يتحولون إلى صوت معارض ضمن المؤسسة.
تحديد أي من هذه السيناريوهات سيتحقق يعتمد على عوامل متعددة، أهمها: مدى استعداد النظام السياسي للانفتاح، وجودة برامج التأهيل والدعم، وقدرة الشباب أنفسهم على التعلم والتكيف مع الحفاظ على هويتهم.
نحو تمثيل حقيقي
اللقاء مع عمرو أديب لم يقدم إجابات جاهزة، لكنه فتح نافذة مهمة للنقاش حول مستقبل التمثيل السياسي في مصر. الشباب في البرلمان يمثلون فرصة حقيقية للتجديد، لكن هذه الفرصة تحتاج إلى شروط لتحقيقها.
التمثيل الحقيقي يحتاج إلى أكثر من مقعد برلماني. يحتاج إلى شرعية انتخابية قوية، ومهارات عملية متطورة، واستقلالية في التفكير والقرار، ودعم مؤسسي حقيقي.
المجتمع المصري بأكمله معني بهذا النقاش، لأن جودة التمثيل السياسي تؤثر مباشرة على جودة الحياة لجميع المواطنين. البرلمان ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لصنع قرارات أفضل، وقوانين أعدل، ومستقبل أكثر ازدهارا.



